|
د.
علي يحيى شمس الدين
عادة أزمة الديزل من جديد وسوف تعود
مراراً وتكراراً وذلك لأن الحلول التي
يتم اتخاذها لموجهتها لأترقى إلى
مستوى معالجة الأسباب الأساسية
والحقيقية للمشكلة، وإنما يتم اتخاذ
إجراءات تحد وتخفف الآثار المترتبة
عليها هذه الإجراءات تعمل عمل
المسكنات عند الألم ولكنها لا تعالج
المرض الذي يقف خلف الألم.
وحتى يتم العلاج النهائي يجب الأخذ
بالحلول العملية التي تعمل على
التشخيص السليم المبني على أسس علمية
اقتصادية وإدارية، وبالتالي فإن علاج
أزمة الديزل لا يتمثل في ضخ اكبر كمية
من الديزل إلى السوق، فإن ذلك سوف
يؤدي إلى خلق بؤر جديدة لفساد مزدوج،
وإنما تحل الأزمة من خلال تحديد
أساسها المركب والمزدوج والتمثل في
الدعم ألسعري غير المباشر الذي تقدمه
الدولة للمشتقات النفطية، وكذلك سوء
إدارة إنتاج وتوزيع هذه المشتقات.
والدعم يأتي من ضعف البنية المؤسسية
للدول في دول العالم الثالث، إذ
يجعلها تلجأ إلى معالجة الإختلالات
القائمة بين دخول فئات المجتمع وبين
معطيات العملية الاقتصادية لاقتصادها
الوطني بالدعم غير مباشر الذي يتمثل
في الدعم ألسعري للسلع الأساسية مثل
القمح والدقيق ، وكذلك بعض مشتقات
المواد البترولية، إلا أنه ثبت
بالتجربة لهذه الدول أن الدعم غير
المباشر يعمل على تفاقم بعض
الاختلالات في الاقتصاد الوطني نذكر
منها على سبيل المثال وليس الحصر
:-استنزاف وإرهاق لميزانية الدولة
وتحول الحصة الكبيرة من هذا الدعم إلى
جيوب قلة من المضاربين والمهربين
الذين يسعون لاستغلال الدعم المقرر من
الدولة لتهريب السلع المدعومة إلى دول
الجوار أو تخزينها وبيعها بأسعار
مرتفعة بالسوق السوداء.
وأهم ما في الأمر أن الفئات ذات الدخل
المحدود قد لا تشعر بهذا الدعم ولا
تحس به، لأنه غير مباشر أي لا يصل
مباشرة إلى أيديهم مثلاً على شكل دعم
مباشر كالضمان الاجتماعي أو زيادة في
دخولهم وتحسين معيشتهم أو على شكل
خدمات مباشرة كالتعليم والصحة
…
الخ.
إلى جانب اختلال أسعار المواد والسلع
الأساسية وغير الأساسية التي لها صلة
وتتأثر بأسعار المواد المدعومة مما
يظهر الأسعار على غير حقيقتها وهذا
بالتالي يؤثر على السياسات الاقتصادية
وكذلك يؤثر على تصرف المستهلك
والمستثمر، وهذا أيضاً يعيق حركة
اندماج الاقتصاد الوطني بالاقتصاد
العالمي، بل يؤدي إلى دعم اقتصاد دول
الجوار على حساب الاقتصاد الوطني وهو
ما يعتبر من أهم معوقات التنمية
الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا ينصح الاقتصاديون بعدم اعتماد
الدعم غير المباشر لما له من آثار
سلبية وخطيرة على الاقتصاد الوطني
وتلجأ الدول المتقدمة إلى اعتماد
الدعم المباشر من خلال شبكات الضمان
الاجتماعي، ووضع سقف أدنى للدخول بما
ينسجم مع حركة الأسعار والإنتاج، هذا
فيما يتعلق بالفئات ذات الدخل
المحدود.
وكذلك الدعم المباشر للقطاعات
الاقتصادية الإنتاجية المتأثرة من رفع
الدعم غير المباشر فمثلاً في القطاع
الزراعي الذي يعتمد على مادة الديزل،
يتم إنشاء صندوق لدعم المزارعين الذين
يعتمد نشاطهم الزراعي على الديزل إلى
جانب صندوق الدعم الزراعي الذي يتولى
تمويل إنشاء السدود والحواجز المائية،
والمساهمة في تنمية البنية التحتية
التسويقية، ومشاريع أخرى مثل تحسين
البذور وتقديمها بأسعار رمزية
للمزارعين، حملات مكافحة الآفات
والحشرات الزراعية، تقديم قروض ميسرة
وطويلة الأجل للمزارعين
…الخ.
وباعتماد الاقتصاد الحر أي اقتصاد
السوق، وجذب واستقبال الاستثمارات
الأجنبية وتشجيع الاستثمارات للقطاع
الخاص المحلي، والإنظمام إلى منظمة
التجارة الدولية، وكذلك تبني سياسة
الخصخصة.
كان على الدولة إلغاء هذا الدعم من
وقت مبكر وبشكل تدريجي وهي عملية
جراحية صعبة ولكن سوف تعمل على تحرير
الاقتصاد من القيود بما يسمح لعجلة
الاقتصاد الحر إن تدور، وإذا كان من
آثار دوران تلك العجلة هو اختلال في
دخول فئات المجتمع، فإن الدعم المباشر
هو الحل.
إذ أنه عندما تتحمل الدولة هذه
المليارات من الدعم، تعجز عن القيام
بتقديم الخدمات الأساسية ابتداء من
التعليم والصحة وانتهاء بالأمن
والقضاء، والتي تهم كل المجتمع بل
وتمس المواطن المقصود بالدعم، كما أن
الدعم يؤدي إلى ظهور عادات سيئة في
استهلاك هذه المواد وذلك من خلال
التبذير في استخدامها وتخزينها.
ويلاحظ انه عندما تم إلغاء هذا الدعم
عن المواد الأساسية الغذائية أنخفض
استيرادها إلى أكثر من النصف، ولكن
كان يجب أن يصاحب هذا الإلغاء تحسين
موزي الدخول من خلال شبكات الضمان
الاجتماعي ورفع سقف الحد الأدنى
للدخول بما يوازي التقلبات ألسعريه.
ونأتي إلى دعم مشتقات المواد
البترولية وهنا يجب الإشارة إلى أن
هذه المواد هي مواد داعمة ولا تدعم في
العالم كله، والمقصود بالداعمة أن
معظم الدول المتقدمة تعمد إلى فرض
ضرائب كبيرة جداً ( قد تصل إلى 200%
)على هذه المواد لتحقيق هدفين هامين
الأول هو الحد من استهلاكها لما لذلك
من أثر في إهدار ثروة قومية، وكذلك
حصول الدولة على إيرادات كبيرة تمكنها
من الوفاء بالتزاماتها الخدمية وتقديم
الدعم المباشر، وكذلك الحد من آثارها
البيئية السلبية، نخلص إلى أن هذه
المواد لا تدعم وإنما تكون مصدر إيراد
للدولة.
وفي الحالة اليمنية قامت الحكومة برفع
الدعم عن مادتي البنزين والمازوت وقد
أدى ذلك إلى انخفاض استهلاكهما،
وبالرغم من أن استهلاك مادة البنزين
أوسع واكبر من استهلاك مادة الديزل
إلا أن استهلاك مادة الديزل يفوق
استهلاك مادة البنزين بسبب هذا الدعم.
ومن المؤكد أن أكثر من 50% من هذا
الدعم المقرر لمادتي الديزل والغاز
يذهب إلى جيوب المهربين والمضاربين
الذين زاد نشاطهم في الفترة الأخيرة
وهو ما عكس إختناقاً في توزيع مادة
الديزل وتسبب في أزمة إذ أصبحت شركة
النفط عاجزة عن توفير متطلبات السوق
من مادة الديزل مع أن الاستهلاك
الحقيقي والطلب الحقيقي للمستهلكين
الفعليين كالمزارعين أو وسائل النقل
الثقيلة التي تستخدم مادة الديزل هو
اقل بكثير من ما يتم توزيعه وقد لا
يصل إلى 30% من الكميات المباعة.
·
وهذا يعني أن كمية كبيرة يتم تهريبها
ونعتقد أن مادة الكيروسين مؤهلة أن
تحتل مكان مادة الديزل في قائمة
التهريب إذا لم يتم إعادة النظر في
تسعيرتها بحيث تقترب من السعر الدولي
إذ أنها لا تختلف عن مادة الترباين
التي تستخدم كوقود لمحركات الطيران
وربما البواخر، وإلى جانب التهريب
هناك قطاعات أخرى دخلت بقوة إلى
استهلاك مادة الديزل وليس لها علاقة
مباشرة بقطاع الزراعة وقطاع النقل
الثقيل، هذه القطاعات هي:-
·
محطات الكهرباء الاسعافية، وهنا نلاحظ
أن مؤسسة الكهرباء وهي قطاع عام قد
لجأت إلى إنشاء محطات كهرباء تعتمد
على الديزل في توليد الطاقة
الكهربائية، نظراً لارتفاع وتحرير سعر
مادة المازوت.
·
مصانع القطاع الخاص، نظراً لارتفاع
قيمة التيار الكهربائي فقد لجأت معظم
هذه المصانع إلى مادة الديزل لتوليد
الطاقة الكهربائية الضرورية لتشغيلها
.
·
أتجه معظم المواطنين إلى تحويل
سياراتهم إلى محركات الديزل، بالرغم
أن ذلك يمثل كارثة بيئية وثلوثاً
خطيراً ومصدراً لكثير من الأمراض.
·
قوارب وأساطيل الصيد السمكي المنتشرة
في شواطئ اليمن، هذه الشواطئ طولها
يزيد على 2000كم.
·
الشركات النفطية الأجنبية العاملة في
استكشاف إنتاج النفط والغاز والشركات
المحلية والأجنبية العاملة معها من
الباطن والتي تستهلك كميات كبيرة من
مادة الديزل تشتريه بالسعر المدعوم
وتحسبه على الدولة بالسعر الدولي؟؟
1.
ومما سبق يتضح جلياً أن قطاعي
الزراعة والنقل لم يعودا المستفيدين
الأول من الدعم المقرر لمادة الديزل،
وخاصة أن الغالبية العظمى من
المزارعين لا يستخدمون الديزل في
الزراعة إذ أن الزراعة في معظم مناطق
اليمن تعتمد اعتمادً كلياً على مياه
الأمطار والسيول والعيون ويتم تصريف
هذه المياه بواسطة السواقي المنحوتة
على المدرجات من آلاف السنين. وان
الزراعة التي تعتمد على مياه الآبار
الارتوازية وبالتالي تحتاج إلى الديزل
هي فقط بعض المناطق السهلية والقيعان،
وهي ما تسمى مشاريع المزارع
الاستثمارية الرأسمالية، التي تدخل
مادة الديزل كأحد مكونات التكلفة
التشغيلية والإنتاجية ولكن ليست
بالأساسية، هذا بالإضافة إلى أن هذه
المشاريع الزراعية تقوم على زراعة
المحاصيل النقدية والتي يحدد سعرها
عامل الربحية وقانون العرض والطلب،
كما أن الاعتقاد القائل أن قطاع النقل
الثقيل أي القاطرات التي تقوم بنقل
المواد الغذائية من الموانئ إلى المدن
والأرياف، سوف تتأثر برفع الدعم
وترتفع أجور النقل وينعكس ذلك سلباً
على المواطن غير صحيح ذلك لان ارتفاع
سعر الديزل يمثل نسبة صغيرة في مكونات
تكلفة النقل عموماً.
وأنه صار لزاماً على الحكومة إعادة
النظر في هذا الدعم لكي تتمكن من
إصلاح بعض الاختلالات الاقتصادية
وسيكون له آثار إيجابية أهمها : زيادة
حجم الصادرات من مادة الديزل نظراً
لانخفاض الطلب المحلي وزيادة
الإيرادات التي تذهب إلى خزينة
الدولة، وبالتالي تخفيض عجز ميزان
المدفوعات وكذلك سوف يمكن الدولة من
استكمال البنية التحتية، وزيادة خلق
فرص عمل جديدة، ولكن في المقابل
وبالتوازي مع الإلغاء التدريجي للدعم
يجب اتخاذ قرارات وترتيبات عملية
تتمثل في :-
-
إعادة النظر في هيكلة الأجور
لموظفي الدولة والقطاع العام
والمختلط وتحديد الحد الأدنى من
الأجر بما يوازي مستوى المعيشة
وحركة ارتفاع الأسعار، حيث أن
الحد الأدنى اليوم من راتب الموظف
لا يتعدى 4000 ريال وهو الجزء من
الراتب المعفي من الضرائب وهو
مبلغ هزيل لا يفي لمعيشة يوم
واحد، كما يجب أيضا تحديد الحد
الأدنى للأجور في القطاع الخاص،
ومن ثم إنشاء صندوق الظمآن
الاجتماعي الذي يجب أن يتكفل
بالحد الأدنى للمعيشة للغير
قادرين على العمل، والذين دخولهم
لاتصل إلى مستوى الحد الأدنى
للدخل، والعاطلين عن العمل.
-
إنشاء صندوق دعم المزارع ويقدم
الدعم النقدي والمباشر للمزارعين
الذين يستهلكون الديزيل في
زراعتهم، ويحدد بين فارق السعر
الحالي المدعوم والسعر الجديد
الذي يرقى إلى مستوى السعر
الدولي، إن مثل هذا الإجراء سوف
يساهم في تطوير قطاع الزراعة
وتحويله من قطاع هامشي إلى قطاع
منظم.
-
إنشاء صندوق دعم النقل يقوم
بتقديم الدعم المباشر لمالكي
شاحنات النقل الثقيل والمتوسط
المتخصصة في النقل العام المواد
الأساسية والركاب.
والرأي أن تقوم الحكومة في الشروع
بهذه الحلول العملية من خلال أذون
الخزانة، التي يصدرها البنك المركزي،
قبل أن تقوم بإلغاء الدعم على
المشتقات النفطية بالتدريج بالتوازي
مع التقدم في عمل الصناديق المقترحة
وكذلك منظومة إصلاح نظام الأجور.
مما سبق يتضح جلياً أن قضيانا
ومشاكلنا الاقتصادية يمكن أن تحل
بكفاءة علية، من دون ترحيلها أو القفز
من فوقها، ناهيك عن الاعتماد على
أنصاف الحلول التي تفاقمها وتؤدي إلى
خلق بؤر جديدة للفساد، وكذلك ارتفاع
تكلفة الحل الناجع في المستقبل والذي
لا مفر منه.
|